الشيخ محمد رشيد رضا
346
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لترجمته ، وإنما كانت درجة الهدى والعلم والعمل ترتفع فيهم بقدر تدبرهم له بعد تعلم لغته ، فكان من متقني لغة القرآن من الموالي كبار الأئمة المجتهدين من أهل الحديث وأهل الرأي ، وجهابذة علوم اللغة وفنونها ، وأفراد العباد ، ونوابغ الأدباء ، وفحولة الشعراء وقد كان إيمانهم الصحيح بتلك الدعوة المثلى هو الذي حملهم على طلب لغة الدين ( العربية ) من غير إلزام حاكم ، ولا نظام تعليم اجباري تؤسس له المدارس وقد ترجم القرآن في هذه القرون الأخيرة بأشهر لغات الشعوب الكبيرة من غربية وشرقية فكانت ترجمته مثارا للشبهات وسببا للمطاعن ، أكثر مما كانت سببا للاهتداء إلى الاسلام ، ( فان قيل ) إن مثار الشبهات لم يكن من الترجمة بل من الخطأ فيها ، وذلك يتلافى بالترجمة الصحيحة التي ندعو إليها ، وإن سبب الطعن لم يكن إلا سوء قصد من أعداء الاسلام من دعاة النصرانية أو الملاحدة وهؤلاء يطعنون في القرآن العربي المنزل أيضا ( قلت ) إني على علمي بهذا أقول إن الترجمة أكبر عون على الأمرين فان الذي يطعن في القرآن المنزل إما أن يكون ضعيفا في اللغة العربية أو حاذقا لها راسخا فيها - فالأول شبيه بمن يحاول فهم القرآن من الترجمة أكثر ما يؤتى من جهله باللغة ، وأما الثاني فهو يتكلف الطعن تكلفا يكابر به وجدانه ، ويغالب ذوقه وبيانه ، فيجيء طعنه ضعيفا سخيفا ، ويكون الرد عليه سهل المسلك ، واضح المنهج ، وقلما يكون الدفاع عن الترجمة كذلك وإن كانت صحيحة ، ولن تكون صحيحة إلا في بعض الجمل أو الآيات القصيرة . دون السور والآيات الطويلة . بل بعض المفردات تتعذر ترجمتها بمفردات من اللغات الأخري تؤدي المراد منها . وانه ليوجد في كل لغة من هذه المفردات التي لا يوجد لها مرادف في لغة أخرى . وفي كلام بعض العارفين باللغة العربية وغيرها من اللغات المشهورة ما يدل على أن العربية اغناهن بهذه المفردات ، دع مالها من الخصائص في فنون المجاز والكنايات .